ابراهيم بن محمد الاصطخري ( الكرخي )
9
المسالك والممالك ( ط مصر )
عن الاصطخري ويسند النقل لصاحبه ؛ فليس بعد هذه الأدلة شبهة في نسبة الكتاب لصاحبه . أما قول ابن حوقل انه أصلحه فمع أنه لا يطعن في نسبة الكتاب إلا أنه يشير إلى توهين ما فيه من بيانات ، والحق أن ابن حوقل ينقل عن الاصطخري بالنص واللفظ ، وهو يلجأ إلى هذه الدعوى لتبرير هذا النقل ، وأبسط عرض لكتاب ابن حوقل على كتاب الاصطخري يدل دلالة واضحة على هذه الحقيقة ، أما تعويل الاصطخري على أبى زيد البلخي فليس هذا بعيب في الكتاب ، لأن هذا العلم كان في بدئه ويعتمد الخلف دائما على السلف كما اعتمد ابن حوقل على الاصطخري . أما إضافة النساخ ( صور الأقاليم ) إلى عنوان الكتاب فهي مسألة تجارية يبتغون من وراء شهرة أبى زيد رواج منسوخاتهم لكتاب الاصطخري ، هذا فضلا عن أن هذا اصطلاح عام لا يميز كتابا عن كتاب مثله مثل اصطلاح ( المسالك والممالك ) لا يدل وضعه على كتاب أنه مأخوذ منه . والآن من هو الاصطخري ؟ هو أبو القاسم إبراهيم بن محمد الفارسي ، المشهور بالفارسي في أيامه ، وبالاصطخرى فيما بعد نسبة إلى بلده ، وهو رجل - فيما يبدو - لم يكن ذا نباهة في عصره ، لذلك أغفلت ذكره الكتب التي تؤرخ الرجال ، ومن هنا لا ندري سنة ولادته ، وإن كانت من المؤكد في النصف الثاني من القرن الثالث ، ولا ندري سنة وفاته وإن كنا نعلم أنها في القرن الرابع ، ذلك لأن ابن حوقل التقى به في بغداد في أواخر حياته أي في سنة 325 ه ، كما يتبين ذلك من قوله أنه كان في بغداد سنة 325 ه ( ص 245 - ليدن ) ؛ ودراسة كتاب الاصطخري والأشخاص الذين يشير إليهم يدلان على أن سنة وفاته كانت حوالي منتصف القرن الرابع ، ذلك لأنه يشير إلى أبى المظفر محمد بن لقمان بن نصر بن أحمد بن أسد السامانى ، الذي كان - فيما يبدو - حاكم سمرقند أيام نوح بن نصر السامانى أو أيام ابنه عبد الملك ( توفى سنة 350 ه ) على أحوط احتمال . والاصطخري مؤلف ذو منهج يميزه عن غيره ، أما مذهبه في التأليف فيتبين من قوله على سبيل المثال في إقليم الجبال : ( فأما الرىّ فإنا ضممناها إلى الدليم وإن كانت قائمة بنفسها ، لأن اتصالها بها اتصال واحد وليس بينهما حاجز يستحق به الانفراد عنها فمرة من الجبال ومرة من عمل خراسان ) ، ومن قوله أيضا في ما وراء النهر : ( وقد كان في التقدير أن نصور نصف خوارزم في صورة خراسان ونصفها في صورة ما وراء النهر غير أن الغرض في هذا الكتاب معرفة هذه الأقاليم ومدنها ، فاخترت أن تكون خوارزم مجموعة في الصورة وجعلتها في صورة ما وراء النهر فأبلغ بذلك غرضى من غير تكرار في الصورتين ) فأنت ترى أنه مؤلف له خطة مرسومة يسير على نهجها ، يخضع لها ولا يقبل التقسيم الإدارى الذي دعت إليه ظروف غير جغرافية ، تراه يجعل المنطقة وحدة ولا يجزئها إلا إذا جزّأتها الطبيعة ، وهو مؤلف دقيق بالنسبة إلى عصره ، وتتبين ذلك واضحا من قوله على سبيل المثال : ( وأما النيل فإن ابتداء مائه لا يعلم وذلك أنه يخرج من مفازة من وراء أرض الزنج لا تسلك حتى ينتهى